محمد سعيد رمضان البوطي

277

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

مجرد الدخول إليها عند الشافعية وكثير من المجتهدين ، وذلك لقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة 9 / 28 ] . وعلى من فيها أن يقاتلوا هؤلاء قبل وصولهم إليها والدخول فيها ، هذا إلى أن اللّه سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ حرمه من أن يدنس بإقامة أي كافر أو مشرك فيه ، وذلك مظهر من مظاهر إعجاز هذا الدين يتجلى في صدق الوعد الذي جاء في كتابه وعلى لسان نبيه . وأما البغاة - وهم الذين يعلنون البغي على الإمام الصالح - فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردّهم عن بغيهم إلا بالقتال ، لأن قتال البغاة من حقوق اللّه تعالى التي لا يجوز إضاعتها ، فحفظها أولى في الحرم من إضاعتها . قال النووي : « وهذا الذي نقل عن الجمهور هو الصواب وقد نصّ عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث » . قال الشافعي : « ويجاب عما يقتضيه ظاهر الأحاديث من منع القتال مطلقا ( أي حتى للبغاة ) بأن القتال المقصود بالتحريم إنما هو نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعمم كالمنجنيق وغيره ، إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك . وأما إذا تحصن الكفار في بلد آخر فإنه يجوز قتالهم حينئذ على كل وجه وبكل شكل » . وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يحرم قتال البغاة بل يضيّق عليهم في كل الوجوه حتى يضطروا إلى الخروج من الحرم أو الرجوع إلى الطاعة « 62 » . وأما إقامة الحدود ، فقد ذهب مالك والشافعي إلى أن الحدود تقام في الحرم المكي لما رواه البخاري من أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة » « 63 » . وذهب أبو حنيفة - وهو رواية عن أحمد - إلى أنه آمن ما دام في الحرم ، ولكن يضيّق عليه ويضطر إلى الخروج منه ، حتى إذا خرج استوفي منه الحد أو القصاص ، ودليل هؤلاء عموم ما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في يوم الفتح . قال الزركشي : « فوجه الخصوصية إذن للحرم المكي ، أن الكفار أو البغاة لو تحصنوا بغير مكة من البلدان الأخرى جاز نصب حرب عامة شاملة عليهم على أي وجه وبأي شكل تقتضيه المصلحة ، ولكنهم لو تحصنوا بها لم يجز قتالهم على ذلك الوجه « 64 » . قلت : هذا إلى جانب أن اللّه تعالى قد تعهد بأن يكون هذا الحرم موئلا ومثابة للمسلمين وحدهم ، وإذا كان الواقع كذلك ففيم يقوم سبب القتال فيه إذن اللهم إلا لإقامة الحدود وردّ البغي وقد عرفت حكم كل منهما .

--> ( 62 ) انظر شرح مسلم للنووي : 9 / 124 و 125 ، والأحكام السلطانية للماوردي : 166 ( 63 ) قال في النهاية : الخربة أصلها العيب ، والمراد به هنا الذي يفرّ بشيء يريد أن ينفرد به ويتغلب عليه مما لا تجيزه الشريعة . ( 64 ) انظر إعلام الساجد في أحكام المساجد للزركشي : 162 وطرح التثريب : 5 / 86